المواطن و الثالثة

كتبهاعبد الباسط ، في 19 فبراير 2009 الساعة: 19:06 م

    لزلت اتذكر جيدا ذلك الخطاب الجماهيري الذي اقامه الرئيس بوتفليقة  في احد المدن البعيدة جدا عن  العاصمة الجزائرية جنوبا و كان ذلك الخطاب تقريبا في سنة 2000 كان الرئيس ليلتها مشتعل بالحماس، و الصراخ الخطابي كان العملة الاكثر طلبا في سوق الشعوبية ذلك الوقت..اخذه الكلام في ذلك الخطاب عن الخسائر الفادحة التي جرها الارهاب على الجزائر و في خطابه ذلك قال الرئيس <<.. ان الإرهاب خسرنا عشرات المليارات من الدولارات و أرجعنا عشرة سنوات الى الوراء…>> و كان من عادة بوتفليقة في خطابته انه يكرر بعض الكلامات او الجمل وهو يرفع صوته في كل مرة ، فكرر تلك الجملة ثلاثة مرات بصوت مرتفع جدا وهو يضرب الطاولة  ثم سكت هنيهة وخيم الصمت في القاعة، فبدأت بعض النسوة بالزغاريد و لتبداء الجماهير تصفق بكل قواها وبعضهم وقف من كرسيه.. و كأن الرئيس قد اعلن عن انجاز ما بعده انجاز ، والسؤال الذي يطرح نفسه بنفسه في تلك اللحظات عما كان يصفق أولئك ولماذا زغردن النسوة هل عن الخسارة الفادحة  او لرجوع عشرة سنوات الى الوراء !؟

   لعل المواطنين لم يستوعبوا ما قاله الرئيس او لتقل ان اكثر الموجدين اناس بسطاء فرحين برؤية رئيسهم و استغلوا ذلك الفراغ لتفريغ شحنة الزغاريد والتصفيق الذي اشتاق له الجزائريون كثير في ذلك الوقت بسبب ما حدث لهم، او لنقل ان التصفيق كالشرارة اذا بداء يجب ان يكتمل . ومهما كانت الإجابة في النهاية  ستقتنع انك مهما بحثت عن اسباب فلن تجد ما يشفي غليل فضولك و استفهامك.

لقد استرجعت هاته الصورة التي كنت اتذكرها عن ذلك الخطاب و انا اشاهد خطاب اخر لكن هاته المرة الخطاب كان في قلب قلب العاصمة وكل المدعوون كانوا من كبار رجالات الدولة والمثقفون و الحضور من طلبة الجامعات المتفوقين و الجمعيات على كل أصنافها وتشكيلاتها ،بالمختصر طبقة لا يمكن ان يكون فيها للامي او للفقير مكان …وكما اختلف الحضور والزمان اختلف الديكور ايضا فأصبحنا نرى ديكور ينفق عليه ببذخ حتى ظننا اننا نشاهد حملة انتخابية أمريكية او فرنسية ..كل شيء تغير من ذلك الخطاب الى هذا الخطاب الا العقول بقيت كما كانت في الخطاب الأول او زادت اضمحلالا .

المصفقون في الخطاب الاول قد نتمرغ في تراب الكلمات والحروف ونخرج بشبه عذرا او تبرير لتصفيقهم….لكن اي كلمات واي حروف و اي رموز واي إشارات قد نجدها لنعذر بها صفوة المجتمع و هم يصفقون لخطاب الرئيس الذي اعلن فيه ترشحه للمرة الثالثة وهم يعلمون جيدا معنى كل حرف يخرجه من شفتيه ولعل العن جملة فيه سيسجلها التاريخ هي <<.. اعلن ترشحي للرئسيات المقبلة..>> وقف حينها الحضور وزغردن النسوة وصفق الجمهور بحرارة ، نفس المشهد من الخطاب الأول .

الرئيس سيبقى الرئيس وهم سيبقون هم والمواطن سيبقى المواطن و لعهم سيصفقون مرة اخرى بعد خمسة سنوات حتى يبقى هو هو وهم هم ونحن نحن . ان الرئيس بوتفليقة انجز للجزائر وبكل صدق الكثير الكثير فشيد في عهده مالم تشيده الجزائر منذ استقلالها في كل القطاعات .شيد عشرات الجامعات وعشرات الالاف من الطرقات و المستشفيات و السدود  والجسور و و و……الخ غير انه في نفس ذلك الوقت أرجعنا ثلاثون سنة الى الوراء ارجعنا بالضبط الى السبعينيات .فالكل لا حديث له الا عن الرئيس الكاريزما الرئيس الذي لم تلد الجزائريات له مثيل الرئيس الذي اذا ذهب ضعنا من ورائه الرئيس ذو الأفق الواسع وذو النظرة الثاقبة …انه كما قيل في ابو الحروف رجل برنامج المناهل الذي يعلم الاطفال الحروف و الكتابة والقراءة انه اقوى من الشدة و اطول من المدى و اهداء من السكون و احد من العين….الخ .

ان اكبر كارثة وقعت فيها الجزائر هي تسلط قلة قليلة براس الحكم لعقود ….كانت تسير الدولة و هي واضعة بين عيناها ان الشعب قاصر و لا يعرف مصلحته و هم وحدهم الذين يعرفون مصلحته ومصالحه ..و لكننا بكل صدق استبشرنا خيرا بعد الانتخابات الرئاسية الثانية لبوتفليقة والتي فاز بها بخمسة وثمانين بالمئة استبشرنا خيرا لان هاته الانتخابات كانت نزيهة عكس سابقاتها و كانت تحت مراقبة دولية وعشرات المنظمات واستبشرنا خيرا لانه كان هناك منافس اخر لرئيس وقلنا انها بداية الديمقراطية والتداول عن السلطة واستبشرنا خيرا لان تلك القلة اختفت بقدرة قادر وأصبحت كباقي الشعب منبطحة لرئيس تقبل رجليه ، خاف الشعب يومها ان يخسر بوتفليقة الذي بشرهم بالديمقراطية فخرجوا يؤيدونه على اساس انها عهدته الثانية والاخيرة كما نص الدستور .غير ان الشعب انذاك لم يكن يعلم انها لن تكون الاخيرة و لا ما قبل الاخيرة ربما.

المواطن من المؤكد انه لن يخرج لثالثة كما خرج لثانية، ربما لانه متأكد انها ثالثة و رابعة او لان بوتفليقة ليس بحاجة الى صوته و لاسباب كثيرة . من المؤكد انها ستكون رئاسيات باردة لان الجميع يعلم جيدا انه  لا يوجد من سيقف لرئيس ند لند .فكل الأحزاب معه و كل الوزراء و المدراء و كل من له الحق ان يتكلم (الكلام المسموع) معه .فلماذا يتعب المواطن نفسه ليذهب لدعم العهدة الثالثة وهل الرئيس في حاجة له أصلا ؟

الجزائر هي البلد الوحيد لربما بعد أمريكا التي فيها خمس رؤساء على قيد الحياة بن بلة، بوتفليقة بن جديد، زروال ،علي كافي ولكن هذا لا يعني للأسف تداول لسلطة ففي خمس سنوات فقط حكم الجزائر ثلاثة رؤساء .

لعل المصفقون في الخطاب الاول ندموا او بعضهم ندم او قد لا يندم احدا فربما يؤيدون بوتفليقة لعهدة ثالثة و رابعة و لكن الجزائريون سيندمون حتما كثير للخسارة  الكبيرة التي سجلت في تاريخهم فبعد ان رئينا نهاية لنفق رجعنا الى الوراء اميال. وان ضمنا ان بوتفليقة سيستجيب لأصوات الشعب وضمانه لرئيسيات نزيهة فمن يضمن من سيأتي بعده ..فهل الحل الوحيد في هذا البلد هو الحكم من القصر الى القبر الا يوجد حلا اخر غيره .و الطامة ان انصاره يقولون ان الرئيس لا يوجد مثيل له فاذا مات واتى اخر وراءه قالوا نفس الكلام الذي قالوه عن الاول وهكذا .

صفقوا و صقفوا و زغردوا و زغردوا للثالثة والرابعة وان بقى لرجل عمرا فللخامسة  الى ان ياتي اليوم الذي تندبوا فيه وجوهكم بالأيادي التي صفقتم بها .

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : بحر الجزائر | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر
مجهول